مقدمة
كثيرون لا يدركون أن ما نشترك فيه من أسرار في الكنيسة له مفعول عميق داخل النفس. ولأن هذا التغيير السرائريّ غير منظور بالعينين بالضرورة، يظنّ البعض أن هذه الأسرار لا فاعلية لها من الأساس، إذ يتعامل كثيرون معها كما لو كانت تعويذة سحرية يجب أن تُحدث أثراً مباشراً بمجرد ممارستها. فإذا نال أحدهم سرّ المعمودية، لكنه وجد أنه ما زال يعاني من الخطيئة بعدها، يستنتج خطأً أن المعمودية بلا فائدة، وهكذا الأمر مع سائر الأسرار الكنسية. ينتج أحياناً عن هذا الفكر انحراف البعض عن المفهوم الصحيح للاهوت الأسرار في الكنيسة، فيتّبعون سلوكيات غير منضبطة يحاولون من خلالها معالجة مشكلاتهم الروحية بحسب أهوائهم الشخصية.
في هذا البحث القصير، نتناول إحدى الجماعات في القرون الأولى التي لا يعرفها كثيرون، وهي جماعة كانت تدّعي أن الصلاة وحدها تكفي للتطهير من الخطايا ومعاينة الله دون الحاجة إلى الاشتراك في الأسرار. وبالرغم من أن أفكار هذه الجماعة أُدينت في مجمع بمدينة سيده سنة ٣٨٣ م وأيضاً أُدينت مؤلفاتهم النسكية في مجمع أفسس المسكوني (٤٣١ م)، إلا أنها — وبطريقة أخرى — عادت لتظهر في أحضان الجماعات غير التقليدية البروتستانتية في العصر الحديث.
هذه الجماعة هي جماعة «المصلّون» واسمهم مشتق من كلمة هي سريانية الأصل (ܡܨܠܝܢܐ)، وتعني حرفياً «الذين يُصلّون». أما الاسم باليونانية فهو εὐχίτης (الإيوخيتية)، ويحمل المعنى نفسه. كانوا يتّبعون نوعاً من النسك الباطل غير مفسّرين النصوص الكتابية بالذهنية الصحيحة التي للكنيسة. فكانوا لا يعملون عمل الأيدي ولا يعترفون بفاعلية الأسرار كالمعمودية والإفخارستيا مفضّلين السلوك خارج أي نوع من النظام الكنسي.
نشأت هذه الحركة من جماعة مسيحية في بلاد الرافدين1 (Mesopotamia) ثم امتدّت حتى وصلت إلى تراقيا2. ومن المؤكد أنها بدأت قبل سنة ٣٧٠ م، إذ إن أقدم إشارة إليهم وردت في أناشيد مار أفرام السرياني حوالي سنة ٣٧٠م.
كتابات آباء الكنيسة عن المصلّين
مار أفرام السرياني
من أقدم الكتابات التي وصلت إلينا بخصوص هذه الجماعة كانت في أشعار مار أفرام السرياني ضد الهرطقات فنراه يذكر مجموعة من الهرطقات في أنشودة مع ذكر سبب ضلال كل منهم فيقول:
الآريوسيون (Arians)، لأنهم أضافوا وضلّوا؛
والأنوميانيون (Aetians)، لأنهم تمادوا في الدقة؛
والبوليانيون (Paulinians)، لأنهم انحرفوا؛
والسابيليون (Sabellians)، لأنهم تصرفوا بمكر؛
والفوتينيون (Photinians)، لأنهم كانوا أذكياء في الشر؛
والبوربوريون (Borborians)، لأنهم تنجسوا؛
والكثاريون (Katharaites)، لأنهم اعتبروا أنفسهم أطهاراً؛
والأوديون (Audians)، لأنهم وقعوا في الفخ؛
والمصلّون (Mesallians)، لأنهم كانوا بلا ضابط.
المرد: ليرُدّهم الصالح إلى حظيرته!– مار أفرام السرياني، أناشيد ضد الهرطقات، ٢٢، المقطع ٤ 3
القديس أثناسيوس الرسولي
يوجد عمل منسوب للقديس أثناسيوس الرسولي4 بعنوان «في المرض والصحة» به تلميح لجماعة من الهراطقة5 — ربما المصلّون — يقول فيه الآتي:
ولذلك فإنّ ربّنا يسوع المسيح، إذ لا يشاء لعقلنا أن يتهاون في الفضيلة، أوصى قائلًا: «اسهروا» و«تيقَّظوا»، كما ينصح في سفر الأمثال أيضًا: «لا تُعطِ عينيك نومًا ولا أجفانك نعاسًا، لتنجوَ كالظبي من الأشراك، وكالطير من الفخّ». وإن كان بعض أهل البدع لم يفهموا هذه الأمور – إذ هم حقًّا لا عقلَ لهم – ففسَّروا على غير وجهها ما كُتب روحيًّا، وادّعَوا أنّهم لا ينامون النومَ الجسديّ، فصاروا يسترقون استعمالَه خفية حين تضطرّهم إليه الحاجة، وهم لا يعلمون أنّهم وإن سهروا قليلًا بالجسد، فإنّهم نائمون بالكليّة من جهة الذهن، وأنّهم إذ يخافون النومَ الجسديّ يسقطون من اليقظة التي بحسب النفس.
وتلك اليقظة هي التي كان القدّيس يقتنيها مع نوم جسده إذ يقول: «أنا نائمةٌ وقلبي مستيقظ». فنومُ القدّيسين يتّجه إلى تأمّل الأمور الأفضل؛ فإذا سكن جسد الواحد منهم على الأرض، جاوز عقله الأماكن، وارتفع من الأرض إلى السماوات. فإنّ أليشع النبيّ العظيم، إذ هو جالسٌ بجسده على الجبل، كان يتبع جيحزي بعقله، والقدّيس دانيال، إذ هو نائمٌ بجسده، كان مستيقظًا بعقله ينظر تلك الرؤى العظيمة الإلهية.
– القديس أثناسيوس الرسولي، في المرض والصحة6
القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس
أوردهم القديس إبيفانيوس في كتابه «بناريون» (Πανάριον) وقال عنهم بشكل عام الآتي:
ليس لهم بداية ولا نهاية، ولا رأس ولا قاعدة، هم غير مستقرين بكل طريقة، بلا مبادئ، وضحايا للضلال. إنهم عارون تمامًا من أساس الاسم والشريعة والمنصب والتشريع
– القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس، بناريون، فصل ٨٠: المصلّون7
ذكر أيضاً رفضهم للأعراف الكنسية السليمة فيما يتعلق بالآتي:
- الفصل بين الجنسين في العبادة، فهم يجتمعون في جماعات مختلطة، منتهكين نظام الكنيسة الراسخ.
- ضوابط الصيام، فهم يأكلون ويشربون دون ضبط في أي ساعة، حتى خلال الأوقات المخصصة للصلاة.
- وجوب العمل، فهم يعتنقون التسول ويفسرون خطأً تعليم المسيح في قوله «اعملوا لا للطعام البائد» (John 6:27).
كما ذكر أن أساس هذه التعاليم الضارة هو «البساطة المفرطة». رد أيضاً على تفسيرهم الخاطئ لعبارة «اعملوا لا للطعام البائد» في إنجيل يوحنا موضحاً السلوك المسيحي المتّزن. فكانوا يعتقدون أن «الطعام البائد» هو العمل الأمين الذي نقدر أن نمتلك به احتياجاتنا، فرد عليهم بأن العمل اليدوي جزء من الحياة المسيحية مستشهداً بأمثلة من العهد القديم كعمل إبراهيم بسبب العجل، وعمل الأرملة بسبب إيليا، وعمل أيوب بسبب أبنائه ومواشيه كما أكد أن كل عبيد الله يعملون ببر بأيديهم ليكفوا أيضاً للمحتاجين. كما استشهد بقول بولس الرسول «نتعب عاملين بأيدينا» (1Cor 4:12) وأيضاً في أعمال الرسل حين قال «أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان» (Acts 20:34). يستخلص القديس إبيفانيوس السلوك المسيحي الصحيح كما يلي:
وهكذا فإن عبيد الله، الذين يرتكزون على صخرة8 الحق الصلبة9، ويبنون بيتهم بأمان، يؤدون أعمالهم الخفيفة، كلٌّ في حرفته، بأيديهم. ويتلون تقريبًا جميع الكتب المقدسة، ويحافظون على سهرهم الدائم دون كلل أو تذمر، أحدهم في الصلاة، والآخر في ترنيم المزامير. ويعقدون باستمرار الاجتماعات التي أُقيمت وفقًا للعادات الشرعية، ويقضون كل أيامهم في تقديم صلوات بلا لوم إلى الله، بتواضع عميق ورثاء حزين، في ساعات تأتي دون انقطاع على فترات محددة.
– القديس إبيفانيوس أسقف سلاميس، بناريون، فصل ٨٠: المصلّون7
القديس جيروم
ذكر القديس جيروم في عمله «المحاورة ضد البيلاجيين»10 أن جماعة المصلّين موجودة في جميع أنحاء سوريا كما أوضح أن من معتقداتهم الآتي:
- من الممكن للفضيلة والمعرفة البشرية أن تبلغا الكمال.
- لا يمكن للبشر أن يصلوا إلى مجرد الشبه بالله، بل إلى المساواة به.
- بمجرد أن يصلوا إلى ذروة الكمال، تصبح حتى خطايا الفكر والجهل مستحيلة عليهم.
القديس نيلوس السينائي
يذكر نيلوس السينائي، وهو من تلاميذ يوحنا ذهبي الفم، في كلامه عن الفقر الاختياري للنسّاك ثلاثة أنواع ويُلمِّح إلى النوع الذي تتّبعه جماعة المصلّين بأنه طريق ماديّ فيقول:
طريقُ الفقرِ المقدّس في هذه الحياة الحاضرة هو ثلاثيّ: فثمّة طريقٌ وسطٌ؛ وثمّة طريقٌ ماديّ؛ وثمّة طريقُ كثرة المقتنيات.
– نيلوس السينائي، في الفقر الاختياري11
وصفهم بالماديين لأن فقرهم تطرفوا به فقط لتحقيق «الصلاة الدائمة (بلا انقطاع)» وكانوا يعتمدون في معيشتهم على استنزاف موارد الأغنياء، وككثير من المنحرفين الغنوصيين، كانوا متحررين من الناموس. وصل بهم هذا إلى حد الاعتقاد بأن لديهم إعلانات ورؤى حرفية مادية، وأنهم يرون الله ويسمعونه بحواسهم الجسدية.11
القديس مرقس الناسك
قدّم مرقس الناسك في كتاباته تعليماً روحياً يرد فيه على أفكارهم12. فمثلاً فيما يخص أهمية المعمودية المقدسة، نراه يدحض اعتقادهم بأن المعمودية لا تُطهّر الإنسان فيقول:
المعمودية تعطي الكمال لكنها لا تكمّل من لا يحفظ الوصايا
– مرقس الناسك، في المعمودية، الجزء الأول، السؤال الثاني13
فالمعمودية عند مرقس تمنح النعمة حقاً وكاملة، غير أن هذه النعمة تتجلى وتعمل بقدر حفظ الإنسان للوصايا. ويؤكد هذا المعنى بقوله:
النعمة أُعطيت سرياً للذين اعتمدوا في المسيح؛ وتصبح فعالة فيهم بقدر ما يحفظون الوصايا بفعالية. النعمة لا تكف أبداً عن معونتنا سراً؛ لكن فعل الخير - بقدر ما يكمن في قدرتنا - يعتمد علينا.
– مرقس الناسك، في أولئك الذين يظنون أنهم يتبررون بالأعمال، قول ٦١ 13
من يطلب طاقات الروح، قبل أن يحفظ الوصايا بفعالية، هو كمن يبيع نفسه للعبودية والذي، حالما يُشترى، يطلب أن يُعطى حريته بينما لا يزال يحتفظ بثمن شرائه.
– مرقس الناسك، في أولئك الذين يظنون أنهم يتبررون بالأعمال، قول ٦٤ 13
الرب مستتر في وصاياه، ويجده الذين يطلبونه بقدر جهودهم.
– مرقس الناسك، في الناموس الروحي، قول ١٩٠ 13
مجمع أفسس (٤٣١ م)
في مجمع أفسس تم حرم كتاب نسكي يخص جماعة المصلّين يُدعى «Asceticus». فجاء في أعمال المجمع الآتي:
وإضافةً إلى ذلك، فقد قررنا أن يُحرم أيضًا الكتاب الخاص بهذه الهرطقة البغيضة، المسمَّى عندهم «Asceticus»، الذي استشهد به وقدّمه الأسقف التقي والمحبوب من الله فاليريانوس (Valerianus)، لأنه من صُنع الهراطقة. وكذلك إن وُجد عند أحد أي مصنَّف آخر من مصنفات ضلالهم، فهو محروم أيضًا.
– مجمع أفسس ٤٣١م14
ثيؤدورت أسقف قورش
كتب ثيؤدورت أسقف قورش فصلاً كاملاً لهذه الجماعة في كتابه «التاريخ الكنسي» تحت عنوان «هرطقة المصلّين». ويُضيف معلومةً فريدة بشأن تسمية ثالثة لهم، إذ يقول إنهم يُدعَون أيضاً «المتحمسون/المنفعلون» (Enthusiasts)، وسبب هذه التسمية يكشف جوهر ضلالهم: فهم كانوا يقعون تحت تأثير شيطان معين يظنّون أنه الروح القدس، فالاختبار الحسّي الذي يفتخرون به ويجعلونه أساس كل شيء لم يكن في حقيقته سوى خداع شيطاني متنكر في زيّ النعمة.
ومن أهم ما انفرد به ثيؤدورت أنهم لم يكونوا يتركون شركة الكنيسة ظاهرياً، بل كانوا يُشاركون في الإفخارستيا مع ادّعائهم أنه لا نفع فيها ولا ضرر — مُحتجّين بقول الرب «من أكل جسدي وشرب دمي له حياة أبدية» — فيُفرّغون السر من معناه مع التظاهر بقبوله. وبهذا يكشف ثيؤدورت عن وجهٍ آخر من خطورتهم: التخفّي خلف قناع الشركة الكنسية مع إنكار فاعلية الأسرار في الخفاء.
وذكر أيضاً أنهم كانوا يسمّون خيالات أحلامهم نبوءات. ثم يُورد ثيؤدورت رواية فريدة تتضمن كيف احتال فلافيانوس بطريرك أنطاكية على أدلفيوس — أحد مؤسسي الجماعة وكان في شيخوخة متقدمة — ليكشف ما يُخفيه من معتقدات. إذ لما علم فلافيانوس بوجودهم في مدينة الرها وانتشار سمّهم فيها، أرسل جماعة من الرهبان وأحضرهم إلى أنطاكية، ثم أجلس أدلفيوس بجواره وخاطبه بلطف قائلاً:
نحن يا سيدي المكرَّم، تقدّم بنا العمر، ولذلك صارت لنا خبرةٌ أدق بأحوال الطبيعة البشرية وبحِيَل الشياطين التي تحارب الإنسان، كما تعلّمنا بالخبرة كيف تعمل نعمة الله. أمّا هؤلاء الشبان فما زالوا يفتقرون إلى الفهم الواضح في مثل هذه الأمور، ولا يسهل عليهم تقبّل التعليم الروحي. لذلك أرجو أن توضّح لي ما الذي تعنيه بقولك إن الروح المعادي يتراجع، وإن نعمة الروح القدس تأتي لتحلّ مكانه.
– ثيؤدورت أسقف قورش، التاريخ الكنسي، الكتاب الرابع، الفصل العاشر15
فانخدع أدلفيوس الشيخ بهذا الأسلوب الرفيق وأفصح عن معتقده قائلاً:
لا نفع يعود على من ينالون المعمودية المقدسة؛ وإنما بالصلاة المتواصلة وحدها يُطرَد الشيطان الساكن في الإنسان، إذ كل مولود في هذا العالم يرث من أبيه الأول العبودية للشياطين كما يرث طبيعته. وحين تُطرَد هذه الشياطين يحلّ الروح القدس معطياً علاماتٍ محسوسةً ظاهرة تدل على حضوره، مُحرِّراً الجسد دفعةً واحدة من دوافع الأهواء ومُخلِّصاً النفس كلياً من ميلها نحو الشر؛ حتى لا تعود هناك حاجة بعد ذلك إلى الصوم الذي يضبط الجسد، ولا إلى التعليم والتدريب اللذين يُقوّمانه ويرشدانه. بل لا يقتصر من ينال هذه الهبة على التحرر من اندفاعات الجسد الدنيئة، بل يرى أيضاً ما سيأتي بوضوح، ويُبصر الثالوث القدوس بعينيه.
– ثيؤدورت أسقف قورش، التاريخ الكنسي، الكتاب الرابع، الفصل العاشر15
فلما أتمّ أدلفيوس اعترافه، قال له فلافيانوس:
أيها الشيخ الذي شاخ في الأيام الشريرة، فمك يُدينك لا أنا، وشفتاك تشهدان ضدك.
– ثيؤدورت أسقف قورش، التاريخ الكنسي، الكتاب الرابع، الفصل العاشر15
وهكذا، بعد انكشاف فسادهم، طُردوا من سوريا وانتقلوا إلى بمفيليا (Pamphylia).
ذياذوخوس أسقف فوتيكي
كتب أيضاً الناسك ذياذوخوس أسقف فوتيكي في كتابه «مائة مقالة في المعرفة الروحية» أقوالاً كثيرة يرد فيها بوضوح على أفكار المصلّين. نذكر منها البعض على سبيل المثال في الآتي:
رداً على وجود الشر بالطبيعة في الإنسان:
لا طبيعة للشرّ وما من أحد شرير بالطبع لأن الله لم يصنع شيئاً رديئاً. ولكن عندما نعطي بدافع من شهوة القلب شكلاً لما ليس له جوهر، عند ذاك يبتدىء ان يوجد ما اردناه ان يكون. فينبغي اذاً ان نُعرض دائماً عن الميل الذي فينا الى الشر بدأبنا على ذكر الله. لان طبيعة الخير أقوى من الميل الى الشر ما دام للخير وجود، بينما لا وجود للشر الا حين نفعله.
– ذياذوخوس أسقف فوتيكي، مائة مقالة في المعرفة الروحية، قول ٣ 16
وبخصوص فاعلية المعمودية:
لقد تصور البعض أن النعمة والخطيئة، أي روح الحق وروح الضلال، يحتجبان معاً في عمق الذهن عند المعمدين. ويقولون إنه من هناك يدعو احدهما الذهن الى الصالحات فيبادر الآخر ويدعوه للتو الى عكس ذلك. أما أنا فقد أفهمتني الأسفار المقدسة وحاسّتي الذهنيّة ان قبل المعمودية تحثّ النفس على الصلاح من خارج، في حين يتستّر الشيطان في أعماقها محاولاً سدّ كل مخارج الذهن نحو الجهة اليمنى. أما منذ لحظة تجديدنا بالمعمودية فينتقل الشيطان الى الخارج والنعمة الى الداخل. فنكتشف حينذاك انه اذا كان الضلال هو السائد على النفس قبلاً فان الحق كذلك هو الذي يملك عليها بعد المعمودية. إلا ان ابليس يستمر في مجاهدة النفس كالسابق، بل اكثر من السابق في معظم الاحيان، لا لانه يساكن النعمة، حاشا لي ان افكر هكذا! بل لانه من خلال رطوبة الجسد يبدو وكأنه يحوّل حلاوة الملذات الشهوانية الى بخار في الذهن. وهذا يحدث بسماح من الله حتى اذا ما جاز الانسان في عاصفة المحنة ونارها يصل اذا شاء الى التنعّم بالصلاح، فقد قيل: «جزنا بالنار والماء وأخرجتنا الى منتجع راحة» (مز ٦٥: ١٢).
– ذياذوخوس أسقف فوتيكي، مائة مقالة في المعرفة الروحية، قول ٧٦ 16
رداً على حلول الشيطان والروح القدس المزدوج في النفس:
نحن على صورة الله من حيث حركة النفس الواعية وما الجسد الا نظير بيت لها. ولما كانت سمات النفس قد تشوهت بخطيئة آدم، بل جسدنا نفسه فسد شيئاً فشيئاً، تجسد كلمة الله ووهبنا ماء الخلاص بمعمودية تجديد الولادة في الله الذي هو الكلمة. فنحن اذاً نولد جديداً بواسطة الماء بفعل الروح القدس المحيي، ومن ثم نتطهر للحال نفساً وجسداً (أو يتطهر على الاقل من يبتغون الله بكامل ارادتهم) هذا لان الروح القدس يقيم فينا ويطرد الخطيئة. فانه لمن المتعذر كما اعتقد بعضهم ان يقيم شخصان في نفس ذات سمات واحدة وبسيطة، ذلك لانه عندما تطابق النعمة الالهية سمات صورة الله فينا بالعمودية المقدسة كعربون لتحقيق مثال الله مستقبلاً في محبة لا حدّ لها، فأين يمكن للشرير ان يجد مكاناً يكمن فيه، سيما وانه «أية شركة للنور مع الظلمة»؟ (٢ كور ٦: ١٤). فنحن الساعين في الجهاد الروحي المقدس نؤمن اذا ان الحية الكثيرة الاشكال تُطرد من خزائن كنوز النفس بحميم عدم الفساد لكن لا نتعجبنّ اذا ما بقيت تراودنا بعد المعمودية افكار شريرة وسط الافكار الصالحة، ذلك ان حميم القداسة وإن كان ينتزع دنس الخطيئة فهو لا يغير حالاً ازدواجية مشيئتنا ولا يمنع الشياطين من محاربتنا ولا من مخاطبتنا بأقوال مضلّلة، حتى إن ما لم نعرف ان نحفظه حين كنا نفسانيين نحافظ عليه بتسلّحنا بأسلحة البر بقوة الله.
– ذياذوخوس أسقف فوتيكي، مائة مقالة في المعرفة الروحية، قول ٧٨ 16
رداً على مشاهدة الله بالعيان:
لا يخطرنًّ لاحد اذا ما سمع بحديث عن حس الذهن ان يرجو ظهور مجد الله له بصورة منظورة فنحن نقول اننا، ان كانت نفسنا نقية، نذوق التعزية الالهية بصورة لا ينطق بها، ولكننا لا نقول ان شيئا ما غير منظور يتراءى لها اذ «اننا نسلك بالايمان لا بالعيان» كما يقول الرسول المغبوط بولس (۲ كور ٧:٥). فاذا ما تراءى لاحد المجاهدين نور او هيئة نارية فلا يقبلن مثل هذه الرؤيا، اذ من الواضح انها خدعة من فعل العدو، وكثيرون لما انخدعوا بها ضلوا لجهلهم وحادوا عن الحق. «أما نحن فنعلم اننا ما دمنا مستوطنين في هذا الجسد الفاني نبقى متغرّبين بعيدين عن الله» (انظر ٢ كور ٦:٥) اي اننا لا نقدر ان نراه بشكل منظور لا هو ولا شيئاً
– ذياذوخوس أسقف فوتيكي، مائة مقالة في المعرفة الروحية، قول ٣٦ 16
القديس ساويروس الأنطاكي
في حوار القديس ساويروس عن المونوفيزيتية التي ليوليان أسقف هاليكارناسوس (Julian of Halicarnassus) أشار إلى اتفاق معتقدهم الخاطئ مع يوليان بخصوص وجود الشر الجوهري ككيان حقيقي داخل الإنسان منذ خطيئة آدم وقال الآتي:
ما كان المصلّون يذهبون إليه من هذه الفكرة الرجسة [عن الشر الجوهري الكامن في الإنسان] يظهر جلياً من المحاضر المكتوبة ضد أدلفيوس. وفيها نجد رسالة من أوبريبيوس، أسقف بالطس، إلى فلافيان الذي تولّى أسقفية أنطاكية بعد الكبير ميليتيوس. وقد جاء فيها: «إنهم يقولون إنه لما تعدّى آدم الوصية، أضحى الشرّ طبيعةً راسخةً كالكيان القائم بذاته؛ وإنه لا سبيل إلى تحرر الإنسان من الشر إلا بالصلاة؛ وإن المعمودية إنما هي لتطهير البشر من الخطايا المقترفة في حياتهم، غير أنها لا تُطفئ ينبوع الخواطر الشريرة؛ أما الصلاة فهي التي تحرر من وطأة تلك الخواطر»
– القديس ساويروس الأنطاكي، ضد إضافات يوليان17
كما خصص القديس ساويروس رسالة إلى أحد الأساقفة وهو أنتريخيوس أسقف أنازربا يحذره من هذه الجماعة قائلاً:
لستُ أدري أأُلقي اللوم على خطاياي في ما يحدث من أمور، أم على فعل شيطانٍ شرير. مع أنه ليس من شيء آخر اهتممتُ به أو صليتُ لأجله بهذا المقدار، مثل أن يسلك كل مسيحي بلا عيب، وبالأخص رؤساء الكهنة، فلا يُعطون سببًا للتعيير أو اللوم على أنفسهم، بل يكونون «في كل شيء قدوةً للأعمال الصالحة، بالوقار والقداسة»، كما يقول الرسول، «لكي يُخزى المقاوم إذ ليس له شرٌّ يقوله عنا» - مع كل هذا أرى نفسي مُنشغلًا بذات الأمور ليس مرةً واحدة بل مرتين.
فقد سبق أن رفع إلينا بعض الإكليريكيين الأتقياء من كنيسة فلافياس (Flavias) المقدسة شكاوى معينة ضد أسقفهم المحب لله، فتوليناها بأنفسنا وأوصلنا ما كان سيُثير القلق إلى خاتمةٍ سلمية وهكذا سوّيناها. والآن ثانيةً قام شيوخٌ قد أنحنى بهم العمر ليرفعوا اتهاماتٍ أشد خطورة، رجالٌ - إن جاز القول - يُصارعون الحياة ذاتها ويعيشون في فقرٍ وعوزٍ شديدين، حتى لو وصفهم أحدٌ بأن منظرهم يُثير الشفقة لما جانب الصواب. وما يقولونه كثيرٌ ومتنوع.
أما أنا فقد أردتُ، متبعًا المنهج نفسه، أن أوقف شكواهم إن أمكن، لكنهم لما استمروا على قولهم ذاته، عزمتُ أن أُحيل استماع القضية إلى قداستكم. غير أنهم اعترضوا قائلين إن حياتهم لن تكون حياةً لهم ما لم يأتِ إلى هنا أسقفهم التقي بروكوبيوس (Procopius). فاخترتُ طريقًا وسطًا - إذ لا أظن أن آخرين أيضًا سيرون المجيء إلينا أمرًا يسيرًا - وقررتُ أن أُرسل القس التقي ثيودوسيوس (Theodosius) من كرسينا الرسولي ليفحص الوقائع بالتعاون مع محبتك لله، وليُصدر قرارًا وفقًا للقوانين، وتُتخذ خاتمةٌ في كل موضوعٍ بأدق ما يُمكن.
لكننا في الوقت نفسه قررنا أن نقول هذا: إن الأسقف التقي المذكور بروكوبيوس (Procopius) ما كان ينبغي له، بعد الإنذار الأول، أن يقبل هديةً عند الرسامات بحجة تحقيق نفعٍ للكنيسة كما كان يقول، ثم يُضبط مرةً أخرى في الممارسات عينها، كما يقول المشتكون عليه. كما ما كان ينبغي له أن يذكر اسم لامبيتيوس (Lampetius) في الذبيحة الإلهية، وهو رجلٌ مصابٌ بهرطقة أدلفيوس (Adelphius)، ولهذا السبب حُكم عليه في كومانوس (Commanus) بأرمينيا، كما تشهد محاضر ذلك المجمع.
ودعنا نتجاوز الأمور القديمة، فمن السهل على محبتك لله أن تعلم أي مناقشة كنسية قانونية تلقاها قطيع الأدلفيين (Adelphians) البغيض في كابادوكيا الثانية، إذ أصدر ضدها القديس سوتيريك (Soteric) أسقف قيصرية والأساقفة القديسون الذين جلسوا معه من كبادوكية وبنطس وغلاطية حكمًا يليق بالكهنوت.
وعلامة هذه الهرطقة الظاهرة هي الطمع والوقاحة والشغف الجنوني بالمجد الباطل، الذي به يتباهون بجذب الإعجاب وقبول الروح الشرير خفيةً. والأهم من ذلك أنهم، وهم مصابون بالكفر الشديد ومرتدون قناع النفاق الخادع في كل شيء، يقدمون أيضًا هذا الخداع: أن هرطقتهم ليست هرطقة! فهم يُعددون كل الهراطقة بالترتيب ويحرمونهم، أما أدلفيوس (Adelphius) فيُكرمونه بالصمت. أما التحرر المشهور من الأهواء الذي يفتخرون به فلا يُظهرونه البتة. وفيما يُتهمون به لا يُقدمون أي توضيح، لكن من الأمور التي لا يُتهمون بها يكتسبون سمعة عدم الكفر.
لذلك يقع على محبتك لله، بالتعاون مع القس التقي ثيودوسيوس (Theodosius) من كرسينا الرسولي، أن تفحص الأمر كله بعنايةٍ كما قلت، وأن تُعلمنا بنتيجة الفحص أيضًا، حتى يُحفظ مظهر الكنيسة بلا لومٍ من كل جانب.
وثمة أمرٌ آخر يبدو لي أن التقوى تطلبه بإلحاح: ألا يُضايَق هؤلاء الرجال التعساء بجلسةٍ طويلة لا طائل منها، وهم الذين رفعوا الشكوى من الضرورة كما أعتقد، وألا يُنفقوا على أنفسهم من مالهم، بل يتلقوا ضعف القوت اليومي اللازم من الكنيسة المقدسة التي هم أعضاؤها.
وأمرٌ آخر أيضًا يجب أن تُصلحه دون نزاعٍ قبل المحاكمة نفسها، أمرٌ بدا لي غير قابلٍ للتصديق تمامًا ولا يزال كذلك حتى الآن: أعني أن يُعاد تسجيل هؤلاء الرجال أنفسهم في العدد المقدس للإكليروس، بعد أن شُطبت أسماؤهم - كما يقولون - لسببٍ واحدٍ لا غير، وهو أنهم تمكنوا من اللجوء إلى الكرسي الرسولي بسبب ما عانوه من ظلمٍ وما أُلحق بهم من جراح. فإن كان هذا صحيحًا، وهو يفوق كل تجرؤٍ وقح، فإنه يستحق عقوبةً قانونية، وهذا أتركه لمحبتك لله أن تتأمل فيه.
– رسالة من القديس ساويروس الأنطاكي إلى أنتريخيوس (Entrechius) أسقف أنازربا (Anazarba)18
يوحنا الدمشقي
أفرد يوحنا الدمشقي في كتابه «ضد الهرطقات» فصلاً عنهم، عرض فيه أولاً ١٨ بنداً من تعاليمهم المأخوذة من كتابهم «Asceticus»، ثم استكمل ذلك بوصف تفصيلي لممارساتهم الكنسية والسرائرية. وقد جاءت معظم هذه النقاط تدور حول محور واحد: إلغاء فاعلية الأسرار الكنسية واستبدالها بالصلاة الفردية واختبار الروح القدس اختباراً محسوساً. فمن تعاليمهم التي نقلها الدمشقي الآتي:
(٤) إن المعمودية لا تجعل الإنسان كاملًا، ولا أن الاشتراك في الأسرار المقدسة يطهّر النفس، بل إن الصلاة وحدها – التي يبالغون هم في ممارستها – هي التي تحقق ذلك.
(٥) أن الخطية تبقى في الإنسان حتى بعد المعمودية.
(٦) أن المؤمن لا ينال اللباس الإلهي غير الفاسد بالمعمودية، بل بالصلاة.
– يوحنا الدمشقي، ضد الهرطقات، ٨٠. المصلّون19
وبهذا يُفرّغون سرّ المعمودية من كل فاعلية تطهيرية، ويُحوّلون الخلاص إلى ممارسة فردية محسوسة قوامها ادّعاء اختبار الروح القدس بصورة حسّية ملموسة، إذ يشترطون — كما يذكر الدمشقي — أن يبلغ الإنسان حالة التحرر من الأهواء وأن «يختبر مشاركة الروح القدس اختباراً محسوساً واضحاً لا شك فيه»، ويُشبّهون هذه الشركة بعلاقة زوجية، زاعمين أنه ينبغي للنفس أن تشعر «باتحادها بالعريس السماوي شعوراً يشبه شعور الزوجة باتحادها بزوجها»19. وهي صورة تكشف انزلاق تعليمهم من مجال النعمة السرائرية إلى مجال الانفعال الحسّي.
ثم ينتقل الدمشقي إلى وصف ممارستهم الكنسية المنحرفة، فيذكر احتقارهم للكنائس والمذابح، إذ يقول:
وأضافوا إلى كل هذا احتقاراً للكنائس والمذابح، مُدّعين أن النسّاك ليسوا بحاجة إلى التردّد على الخدمات الكنسية، إذ إن صلواتهم في مصلّياتهم الخاصة كافية تماماً. فمثل هذه – كانوا يعتادون أن يقولوا – كانت قوة صلاتهم، حتى إنها تجعل الروح القدس يتجلّى حسياً لأنفسهم ولتلاميذهم.
– يوحنا الدمشقي، ضد الهرطقات، ٨٠. المصلّون19
ويُضيف أنهم يعتبرون الصلاة وحدها هي الطريق لطرد الخطيئة من الإنسان حتى «يشعر بالخطيئة تُطرد منه بصورة محسوسة بقوة صلواتهم، كدخان، أو نار، أو حيّة، أو وحش آخر من هذا القبيل»19. وهذا الاختبار الحسّي هو وحده عندهم الشركة الحقيقية للمسيحيين، حتى إن الدمشقي يصرّح عنهم قائلاً:
فأولئك الذين اعتمدوا لا يشتركون بأي حال من الأحوال في الروح القدس بمعمودية الكنيسة، ولا بوضع أيدي الكهنة، ما لم يُلازموا جماعة المصلّون، ويقبلوا – بمعزل عن المعمودية – شركة الروح القدس.
– يوحنا الدمشقي، ضد الهرطقات، ٨٠. المصلّون19
وقد نقل إلينا الدمشقي حواراً دار بين بعض الكهنة الأرثوذكسيين وهذه الجماعة، يكشف عن جوهر الخلاف بين الفهم الكنسي الصحيح وفهمهم المنحرف:
وهكذا، حين قال لهم بعض الكهنة: «نحن نعترف بأننا نمتلك الروح القدس بالإيمان لا بالحسّ»، وعدوهم بأنهم هم أيضاً، بالصلاة معهم، سينالون نصيباً من إحساس الروح.
– يوحنا الدمشقي، ضد الهرطقات، ٨٠. المصلّون19
ولم يقتصر احتقارهم على المعمودية وحدها، بل امتد ليطال سرّ الإفخارستيا ذاته، إذ يذكر الدمشقي أن بعضهم «لا يتناولون الأسرار إلا حين يشعرون بالروح حاضراً فيهم حسّياً في تلك الساعة»19. كما يُظهرون احتقاراً صريحاً للأساقفة متى شاءوا، ويستهينون بالحرومات الكنسية، ويُقدّمون للرسامة من لم يُحلّ بعد من خطاياه، خادعين الأساقفة بشهادة الذين من جماعتهم المعدودين نسّاكاً. أما من يدّعي منهم اختبار الروح اختباراً حسّياً فيُعد عندهم «مُطوّباً، بوصفه كاملاً، متحرّراً من كل خطيئة، ومتفوّقاً»19، ولم يعد خاضعاً لأخطار السقوط.
وهكذا يظهر جوهر هذه الهرطقة في استبدال الموضوعية السرائرية للكنيسة — التي تعمل فيها النعمة بقوة الروح القدس عبر الأسرار المُسلَّمة من الرسل — بذاتية الشعور الحسّي الفردي، فتسقط الكنيسة عندهم من كونها جسد المسيح الواحد إلى مجرد إطار خارجي لا ضرورة له.
فوتيوس بطريرك القسطنطينية
يُورد فوتيوس في موسوعته «المكتبة (Bibliotheca)» تلخيصاً مهماً لأعمال مجمع سيده (Side) الذي انعقد ضد جماعة المصلّين برئاسة أمفيلوخيوس (Amphilochius) أسقف إيقونية ومعه خمسة وعشرون أسقفاً. ويذكر أن المجمع رفض قبول توبة أدلفيوس (Adelphius) — أحد مؤسسي الجماعة وكان علمانياً لا راهباً ولا كاهناً — حين عرض أن يتبرأ من هرطقته، وذلك لأنه ضُبط وهو يتراسل كتابةً مع أشخاص كان قد حرمهم هو نفسه بصفتهم مصلّين، مما يكشف أن التبرّؤ كان ظاهرياً خادعاً.
ويذكر فوتيوس أن مؤسسي هذه الجماعة إلى جانب أدلفيوس كانوا سابا (Sabas) الملقب بـ«المخصي» (Apokopos) الذي تزيّا بزي الرهبان، وأوسطاثيوس الرهاوي (Eustathius of Edessa)، ودادوس (Dadoes)، وسمعان (Simeon)، ويصفهم بعبارة بليغة إذ يدعوهم «زؤان الشرير» مستعيراً تشبيه الرب يسوع في مثل الزؤان والحنطة (مت ١٣: ٢٤-٣٠) (Matt 13:24-30)20.
ويُورد فوتيوس قضية لامبيتيوس (Lampetius) الذي يصفه بأنه «أول من تمكن من المصلّين في التسلّل إلى رتبة الكهنوت»، وهي قضية تكشف عن السلوك الحقيقي لهذه الجماعة خلف قناع التقوى المظهرية. فقد كُتبت ضده تُهم عديدة ذكر منها فوتيوس الآتي:
كانت بنود الاتهام هي: أنه كان مذنبًا بعلاقات غير شرعية مع النساء؛ وأنه استخدم لغة بذيئة في الإشارة إلى مثل هذه الأمور؛ وأنه سخر واستخف بمن يُصلّون الساعات القانونية باعتبار أنهم لا يزالون تحت الناموس20.
– فوتيوس بطريرك القسطنطينية، المكتبة20
ومن الواضح أن هذه السلوكيات تتناقض مع ادّعاءاتهم ببلوغ الكمال الروحي والتحرر من الأهواء. وبعد المحاكمة التي جرت أمام الأسقف هورميسداس (Hormisdas)، ثبتت التهم عليه وعُزل من الكهنوت بالإجماع. والجدير بالذكر أن ساويروس الأنطاكي — حينما كان لا يزال قساً قبل سيامته بطريركاً — قد كتب رداً يُفنّد كتاب لامبيتيوس المسمى «العهد» (Testament)20، مما يُعطينا سياقاً أوسع لفهم الرسالة التي أوردناها سابقاً منه، إذ يتضح أن اهتمامه بمواجهة هذه الهرطقة كان قديماً ومستمراً منذ ما قبل رئاسته للكرسي الأنطاكي.
الخاتمة
ليس عسيرًا على القارئ أو الباحث المعاصر أن يُدرك أوجه الشبه بين أفكار جماعة نشأت في القرن الرابع كالمصلّين وبين كثير من الجماعات البروتستانتية في العصر الحديث. فابتداءً من أولئك الذين يرفضون الأسرار، أو يمارسونها ويتجاهلون فاعليتها، ومرورًا بالذين يحتقرون صلوات الساعات ونظام الكنيسة، وانتهاءً بالجماعات التي تشترط اختبارًا محسوسًا لحلول الروح القدس محتقرةً سر المعمودية كجماعة الخمسينيين، يتبيَّن للقارئ أنَّ فكر هذه الجماعات ليس إصلاحًا كما تدّعي، بل هو هدمٌ للسرّ في جوهره، وإحياءٌ في حقيقته لهرطقات قديمة سبق للكنيسة الجامعة أن حسمتها.
مجداً للثالوث الأقدس
منطقة جغرافية تاريخية تقع في جنوب غرب آسيا. (حاليًا: العراق، وسوريا وتركيا ما بين نهري دجلة والفرات) ↩︎
منطقة تاريخية وجغرافية تضم شمال شرق اليونان وجنوب بلغاريا وتركيا ↩︎
Hymnes sur les hérésies 22, 4, CSCO 169 (E. Beck, 1957), 79 ↩︎
Johannes Quasten, Patrology, Vol. 3: The Golden Age of Greek Patristic Literature, Athanasius, Other Ascetical Treatises, p. 49 ↩︎
BUDA, Daniel. 2019. “THEODORET OF CYRUS ON MESSALIANISM”. Studia Universitatis Babeș-Bolyai Theologia Orthodoxa 64 (2):51 – 62. https://doi.org/10.24193/subbto.2019.2.04., p. 53 ↩︎
Vat.gr.2200, pp. 468-473, Athanasius, s., patriarca di Alessandria, Περὶ τῶν τοῦ ἔνδον ἀνθρώπου σωματικῶς εἰρημένων πνευματικὴ θεωρία. τοῦ ἁγίου Ἀθανασίου πατριάρχου Ἀλεξανδρείας ἐκ τοῦ περὶ νόσου καὶ ὑγιείας λόγου οὗ ἡ ἀρχὴ τὰ γράμματα τῆς σῆς εὐλαβείας ἡμῖν ἀπεδόθη. ↩︎
The Panarion of Epiphanius of Salamis Books II and III. De Fide, Frank Williams, pp. 646-655 ↩︎ ↩︎
مت ١٦: ١٨ (Matt 16:18) ↩︎
الكنسية: ١ تي ٣: ١٥ (1Ti 3:15) ↩︎
Philip Schaff and Henry Wace, eds., Nicene and Post-Nicene Fathers of the Christian Church, Second Series, Vol. 6: St. Jerome: Letters and Select Works. Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library (CCEL), p. 963 ↩︎
Clair McPherson, Nilus of Ancyra: Byzantine Theologian and Ascetic (Gorgias Studies in Early Christianity and Patristics), Chapter Five: Poverty In Paradise: On Holy Poverty, p. 185 ↩︎ ↩︎
Johannes Quasten, Patrology, Vol. 3: The Golden Age of Greek Patristic Literature, Athanasius, Other Ascetical Treatises, pp. 504-505 ↩︎
Marc le Moine, Traités I, ed. Georges-Matthieu de Durand, Sources Chrétiennes 445 (Paris: Les Éditions du Cerf, 1999). ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎
Richard Price and Michael Gaddis, trans., The Council of Ephesus of 431: Documents and Proceedings of the First Council of Ephesus, Translated Texts for Historians, Vol. 81 (Liverpool: Liverpool University Press, 2020), p.523 ↩︎
Ecclesiastical History: A History Of The Church In 5 Books From A.D. 322 To The Death Of Theodore Of Mopsuestia, A.D. 427 By Theodoretus Bishop Of Cyrus, pp. 225-227 ↩︎ ↩︎ ↩︎
القديس ذياذوخوس أسقف فوتيكي، مائة مقالة في المعرفة الروحية، تعريب دير مارجرجس الحرف ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎
Columba Stewart, Working the Earth of the Heart: The Messalian Controversy in History, Texts, and Language to AD 431 (Oxford: Clarendon Press, 1991), pp. 34-35 ↩︎
Brooks, E. W., ed. The Sixth Book of the Select Letters of Severus, Patriarch of Antioch, in the Syriac Version of Athanasius of Nisibis. Vol. II, Part I. London: Williams & Norgate, 1902, pp. 53-56 ↩︎
John of Damascus, Writings, trans. Frederic H. Chase, The Fathers of the Church: A New Translation 37 (New York: Fathers of the Church, Inc., 1958), On Heresies, 80. The Messalians ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎
Photius I, The Library of Photius (London: Society for Promoting Christian Knowledge, 1920), pp. 44-46 ↩︎ ↩︎ ↩︎ ↩︎
