مقدمة
التأثير الأكبر لجماعات البروتستانت لم يكن في إدخالهم بعض الأفكار الغريبة إلى لاهوت الكنيسة؛ فهذه ليست المشكلة الكبرى، لأن الكنيسة حاربت عبر التاريخ أفكارًا لا حصر لها. لكن ما فعلته هذه الجماعات بالأحرى هو إعادةُ صياغة العقل البشري ليُفكّر بأنظمة، نظريات، وأنماط تهدم السرَّ في جذوره. وأحدُ هذه الأنماط هو اختلاقُ صراع مُزيَّف بين كيانات لا تتصارع في الوعي الأرثوذكسي الصحيح من الأساس: كالنصّ والتقليد فيما يخصّ السلطة، والمسيح وقديسيه فيما يخصّ الشفاعة، والإيمان والأعمال فيما يخصّ الخلاص،..إلخ.
هذه الثنائيات أو الأطروحات ليست قضايا في الكنائس التقليدية الملتزمة بالإيمان الرسولي من الأساس، لكنها فُرضت عليها من اللاهوت البروتستانتي الذي جعل منها قضايا تستلزم أجوبة تُرضي العقل الفقير الرافض للسرّ. ولأن هذه الذهنية لا تمتّ بصلة إلى ذهنية الكنيسة؛ لن تجد شيئًا منها مطروحًا بشكل نظاميّ عند آباء الكنيسة، والسبب ببساطة أنهم لم يفكّروا بهذه الذهنية من الأساس.
لذلك دخولُ الإنسان في هذه الأنماط هو خطأ في حد ذاته، لأنه بهذا يتبنّى ذهنية الآخر دون أن يُدرك أن المشكلة تكمن في السائل وذهنيته التي صاغ بها السؤال، وليس في العثور على إجابات. ولهذا لن أسلك الطريق المألوف في اقتصاص عبارات من آباء الكنيسة ورصّها للرد على سؤال هو في ذاته خطأ. لكن ما أريد أن يخرج به القارئ بالأحرى هو الذهنية الكنسية نفسها: أن يميّز متى يكون السؤال خطأ قبل أن يبحث له عن جواب، وأن يدرك النمط الذي تسير عليه الكنيسة، خاصةً فيما يتعلق بمفهوم الخلاص.
نبذة عن اللاهوت البروتستانتي
أحد سمات اللاهوت البروتستانتي هو أنه حبيس تحت وطأة التاريخ والزمن. فالإفخارستيا والشركة الحقيقية في جسد المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات بالأنمنيسس (ἀνάμνησις) غير ممكنة في هذا اللاهوت، لأن العقل الفقير لديهم يقول أن ذبيحة المسيح قُدمت من آلاف السنين ولا يمكننا أن نشترك فيها اليوم. هذا الوعي المُغيّب عن السرّ هو ثمرة لعدم إدراك المبادئ اللاهوتية بشكل سليم. ولا عجب أنه في العصر الحديث لا يوجد رباط واضح بين اللاهوت والممارسة وسط الجماعات البروتستانتية. فالثالوث هو مجرد فكرة والتجسد فكرة أخرى والاتحاد الأقنومي لديهم ربما لن تسمع عنه مطلقاً. فهذه الروح التي تُهيمن على ذلك الوعي هي الروح التي تركها لوثر لمن بعده. وهي روح أزاحت بالإيمان الرسولي على حساب طمأنة لوثر على خلاصه من الله الغضوب من خطاياه.
لوثر والله
لوثر هو راهب أوغسطيني ملتزم، حاول مراراً إرضاء الله لكن صورة الإله الغاضب منه في ذهنه لم تجعله يستنشق الرحمة الإلهية ولا الرجاء مطلقاً في حياته. فهو ذاته يقول:
لو استطعت أن أُصدِّق أنَّ الله ليس غاضبًا مني، لطِرْتُ من الفرح.
– مارتن لوثر1
فكان يمارس سرّ الاعتراف يومياً لساعات طويلة مع أبيه الروحي يوهان فون شتاوبيتس Johann von Staupitz الذي أبدى استياءه من تصرفات لوثر قائلاً له:
يا رجل، إنَّ الله ليس غاضبًا منك، بل أنتَ الغاضبُ من الله. أما تعلم أنَّ الله يأمرك بالرجاء؟
– يوهان فون شتاوبيتس إلى مارتن لوثر2
لذلك لا يمكن فصل حياة لوثر المأساوية عن لاهوت لوثر ومن أتى بعده لأن اللاهوت البروتستانتي بأكمله هو مبني على إعادة صياغة المفاهيم والمصطلحات لكي تحل أزمته الشخصية مع إلهه وتعطيه خلاصاً مؤكداً وتريحه من غضب هذا الإله. فالإنسان لدى لوثر يجب ولابد أن يخلص رغماً عن أي شيء قد يتحكم في ذبذبة خلاصه. سواءً ما كان الشيء هذا هو الكنيسة، أو اللاهوت. كان لوثر مستعدًّا للإلقاء بهم كلهم في سلة النفايات. ولذلك فإذا تحدّثت مع أحدهم عن ضرورة الأسرار في الكنيسة، فالسؤال الأول الذي ستستقبله من الطرف الآخر هو ما إذا كان عدم قبوله للأسرار سيجعله يهلك أم لا. فالكنيسة في الواقع المعاصر للبروتستانت هي مؤسسة بشرية أكثر من كونها جسد المسيح واللاهوت هو مجموعة أفكار وليس حياة. ولم يقف لوثر هنا، فحتى إرادة الإنسان الحرّة انتزعها منه في كتابه «عبودية الإرادة» حيث قال:
وهكذا فإنَّ إرادة الإنسان موضوعة بين الاثنين كدابةِ. فإن ركبها الله، فإنها تشاء وتسير حيث يشاء الله، كما يقول المزمور: «صرتُ كبهيمةٍ عندك، ومع ذلك أنا دائمًا معك» (مزمور ٧٣: ٢٢-٢٣). وإن ركبها الشيطان، فإنها تشاء وتسير حيث يشاء الشيطان؛ ولا تستطيع أن تختار الركوض إلى أيٍّ من الراكبَين أو أن تسعى إليه، بل إنَّ الراكبَين أنفسهما يتنازعان على امتلاكها والسيطرة عليها.
– مارتن لوثر، أعمال لوثر، المجلّد ٣٣ 3
كما كان كل من يضع أعباءً على الإنسان في موضوع الخلاص تحديداً عدوًّا بالطبيعة للوثر لأنه بذلك يجعله يستعيد التفكير في تقصيره أمام الله الغاضب ويهدد خلاصه.
لوثر ويعقوب البار
أبرز هذه الشخصيات كانت يعقوب الرسول أخو الرب الذي قال عنه لوثر:
أكاد أشعر بأنني أريد أن أرمي يعقوب في الموقد، كما فعل ذلك القسّ في كالنبرغ4.
– مارتن لوثر5
رأى لوثر أن رسالة يعقوب رسالة ضعيفة ووصفها بأنها «رسالة من قشّ»6 في مقدمة ترجمته للعهد الجديد عام ١٥٢٢م. فيعقوب كان عقبة في طريق لوثر الذي ابتغى خلاص الإنسان بالإيمان وحده. ومن المثير للسخرية أن كلمة «وحده» بجانب كلمة «الإيمان» لا توجد في النصوص المقدسة كلها عدا رسالة يعقوب الإصحاح الثاني وفيها يقول يعقوب أن الإنسان لا يمكن أن يتبرر بالإيمان وحده (James 2:24). فقام لوثر بتحريف كلام بولس الرسول عن التبرير في رسالة رومية الإصحاح الثالث (Ro 3:28) المقابل لكلام يعقوب وأضاف كلمة «وحده» (allein) في الترجمة الألمانية ليصبح نص الآية: «إذا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان وحده بدون أعمال الناموس.»7 لتدعيم فكرته الجديدة. أما محاولة تبرئته من هذا التحريف بحجة أن ترجمات أخرى قبله أضافت لفظة «وحده» أيضاً في نص الآية هي حجة باطلة لأن من سبقوه لم يدخلوا هذه اللفظة لإسقاط لاهوت جديد على الكنيسة وعلى النص على عكس ما فعله لوثر.
الخلاص في اللاهوت البروتستانتي
الخلاص حَدَث وبَدَل
ومن هذا المُنطلق، فإن سؤال مثل «كيف نخلص؟» في اللاهوت البروتستانتي يفترض ضمنًا أن الخلاص حدث يقع في نقطة بعينها في حياة الإنسان، ينتقل عندها الإنسان من كونه «غير مخلَّص» إلى «مخلَّص»، من «خاطئ» إلى «مُبرر»، من «كان» إلى «أصبح». ولأن الله في هذا اللاهوت هو إله لوثر الغاضب من البشر الخطاة، فالحل لديه كان إيجاد طريقة يجعل فيها هذا الإله يفرّغ غضبه عن طريق حضور نائب بديلاً عن الإنسان ندعوه خاطئ ونُحمّله عقوبة هذا الإله لكل خطايا البشر. بهذه الطريقة يصبح الإنسان — على الورق — بريئاً أمام العدالة الإلهية. هذه النظرية تُعرف باسم البدليّة العقابيّة وهي إصدار مستحدث من نظرية الترضية الأصلية لأنسلم أسقف كانتربري (Anselm of Canterbury) التي عبّر عنها في كتابه «لماذا صار الله إنساناً» (Cur Deus Homo). والشخص البديل عن الإنسان في هذه النظرية هو المسيح. لكن لكي يكون بديلاً بالمعنى الصحيح اللغوي للكلمة8، اضطر لوثر أن يدعو المسيح خاطئ لكي يكون بديلاً عن الإنسان الخاطئ. ففي تفسيره لرسالة غلاطية الإصحاح الثالث يقول:
لقد رأى جميع الأنبياء أنَّ المسيح سيصير أعظم لصٍّ، وأعظم قاتلٍ، وأعظم زانٍ، وأعظم سارقٍ، وأعظم مدنِّسٍ، وأعظم مجدِّفٍ، ممّن وُجدوا في العالم كلّه. فهو الآن لا يتصرّف بصفته الشخصية؛ إذ لم يعد الآن ابن الله المولود من العذراء، بل هو خاطئٌ، يحمل خطيئة بولس الذي كان مجدِّفًا ومضطهِدًا ومعتديًا؛ وخطيئة بطرس الذي أنكر المسيح؛ وخطيئة داود الذي كان زانيًا وقاتلًا، وتسبَّب في أن يُجدِّف الأمم على اسم الرب. وباختصار، فهو يحمل في جسده خطايا جميع البشر – لا بمعنى أنه ارتكبها، بل بمعنى أنه أخذ على عاتقه هذه الخطايا التي ارتكبناها نحن، ليكفِّر عنها بدمه.
– مارتن لوثر، أعمال لوثر، المجلّد ٢٦ 9
من السهل إدراك أن هذه النظرية ليست مبنية في وعيها على أن الله ثالوث من الأساس. وكما قلت سابقاً، اللاهوت هو مجرد أفكار هنا وليس له وجود حقيقي في الوعي. في هذه النظرية، الإله الغضوب هو الله الأب، والمغضوب عليه هو الابن المتجسّد. أما الروح فيقف متفرجاً مع الإنسان في هذا العبث الدرامي. وإذا قال مدّعٍ أن الثالوث كله غاضب وليس الآب فقط، فالسؤال يصبح: غاضبٌ على مَن؟ على يسوع الإنسان؟ أليست هذه هي النسطورية؟!
الحقيقة هي أننا لن نجد هذه النظرية تحل أي شيء كما تدّعي لأنه حتى العدل الذي تحاول إيفاءه للإله الغاضب هو في حقيقته ظلم. فأي عدل هو إذا كان المسيح البريء، الذي بلا خطيّة، يُعاقب بدلاً عن المذنب الحقيقي، الذي هو الإنسان؟
ليس من العسير على القارئ الواعي أن يدرك أن هذا الفكر هو برمته هرطوقي في جذوره يهدم السرّ كعادة اللاهوت البروتستانتي. فالإنسان في هذه العملية يصبح متفرجاً من الخارج لا يحصل له شفاء على المستوى الأنطولوجي، حتى تبريره يتم من الخارج على الورق أمام الله فقط. كل هذا يحدده إيمان الإنسان بعمل المسيح على الصليب الذي بدوره يساهم في عملية انتقال بر المسيح إلى حساب هذا الإنسان. وينبغي ذكر أن القوة الفاعلة في هذه المنظومة هي قوة واحدة فقط (Monorgism) وهي قوة الله. كما أن كل شيء يحدث في هذا اللاهوت هو شخصي بين الله والإنسان فقط. فالإنسان ليس محتاجًا لآخر ولا يمكن لآخر أن يساهم في حدث خلاصه هذا. وهذا هو أيضاً أساس رفض هذا اللاهوت لمبدأ كالشفاعة وسرّ كالاعتراف القائمين في الأساس على وعي الكنيسة باحتياج الإنسان لآخر على عكس لوثر الذي أراد أن يجد وسيلة سهلة يَخلُص فيها الإنسان دون تشويش أو اعتمادٍ على آخر.
ولأن أصل كل هذا هو في خبرة لوثر ومعاناته مع خطاياه في الأساس، فهذا اللاهوت يتبني نفس الروح ويعتبر أن الخطية هي المشكلة وهي الموضوع وهي ما أتى المسيح ليحلّه.
اللاهوت العملي وسط الجماعات البروتستانتية
في داخل القاموس اللغويّ للجماعات البروتستانتية في العصر الحديث فإن الإنسان يشهد لخلاص نفسه عادةً ولهذه النقلة تحت مسمى «الاختبار الشخصي». وغالبًا ما ستجد الإنسان يدّعي الآتي حول هذا الاختبار: التحرر من خطايا كانت تستعبده، تسليم ذلك الإنسان حياته لله، تغيير ما مصاحب لصلاة أحد مع ذاك الإنسان في إحدى الاجتماعات، أو لحظة ما يتلامس فيها عاطفيًا مع الطريقة التعبّدية التي تُقدّم في هذه الاجتماعات التي تدفع بطبيعتها الإنسان إلى الانفعال العاطفي. كما تَعتبر بعض الجماعات البروتستانتية أن هذه اللحظة الخلاصيّة، أيًّا ما كان اسمها، أنها الميلاد الثاني الحقيقي للإنسان. ولذلك الأسئلة مثل «متى خلصت؟» أو «متى عرفت الرب؟» شائعة بينهم ويمكن الإجابة عنها بتاريخ زمني محدد في حياة الإنسان يشهد فيه أنه نال الخلاص. أما إذا كان من الممكن أن يفقد ذلك الإنسان خلاصه بعدها فلن تجد إجابة واضحة وسط جميع جماعات البروتستانت لكن الأغلبية تتّبع مفهوم «مَن نال الخلاص مرّة، لا يفقد خلاصه أبدًا.» (Once Saved, Always Saved) وهو من أحد ثمار سلب لوثر لإرادة الإنسان.
وليس من العسير هنا أيضًا على القارئ من الكنائس ذات الإيمان الرسولي أن يدرك مجدداً الخلط والهدم لسرٍّ آخر وهو سرّ المعمودية الذي فيه يولد الإنسان ثانيةً من الماء والروح. هذا أيضاً قد شُوّه بالكامل وأُلقي في سلة النسيان داخل هذا الفكر. فهو مجرد إطار خارجي لا يؤثر من قريب أو بعيد في خلاص ذلك الإنسان الذي بشكل أو بآخر يُخلّص نفسه بنفسه عن طريق إيمانه بالمسيح. فهذا هو الحل الذي أراح لوثر وجعله يجد طريقة يضمن بها الخلاص من إلهه الغاضب لنفسه وللآخرين الذين يتّبعون نفس إلهه.
الخلاص في اللاهوت الأرثوذكسي
الخلاص عَمَليّة وشَرِكة
في اللاهوت الأرثوذكسي القضيّة هي مرض الإنسان وليست غضب الله والخطية ليست هي الأزمة بل الموت الذي دخل في عمق الإنسان ويحتاج إلى شفاء. ولن أتطرق إلى الاقتصاص من كتابات الآباء لأثبت ذلك، فكثيرون قاموا بذلك غيري. لكنّي سأحث القارئ أن يستقي بنفسه من نبع كتابات الآباء ليفهم منهجية التفكير والذهنية التي يفكر بها آباء الكنيسة في سرّ التجسّد.
وعلى عكس النمط السابق في اللاهوت البروتستانتي الذي لا يخلو من الصراع الدائم بين ثنائيات مثل غضب الله وعدله، الإيمان والأعمال، لوثر والله، ..إلخ. فالخلاص هنا له مفهوم آخر يخلو من النظريات والأحداث التاريخية وسطوة العقل الفقير على السرّ. الخلاص في اللاهوت الأرثوذكسي هو عملية مستمرة من اتحاد الإنسان بالله الثالوث. ليس حدث وليس تاريخ وليس تغيير في نظرة خارجية من الله إلى الإنسان وليس انتقال الإنسان من الكرة الأرضية إلى مكان ما في السماء. فالكلمة هو الذي أتى إلينا وصار جسداً (Joh 1:14) وأعطانا شركة الطبيعة الإلهية (2Peter 1:4)، فالخلاص هو تغيير يمس داخل الإنسان على المستوى الأنطولوجي يجعل الإنسان يشترك في مجد الله بالتبنّي وميراث الحياة الأبدية وهي رحلة تبدأ من سرّ المعمودية وتستمر في النمو بالإفخارستيا وحياة التوبة داخل الإطار السرائري للكنيسة ولا تنتهي عند انتقال الإنسان بل بالأحرى تكتمل في النمو والمعرفة بعد انتقاله.
من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم عبارات بولس الرسول عن الخلاص مثل «تتموا خلاصكم بخوف ورعدة» (Phi 2:12) وأننا نتغير إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح (2Cor 3:18). كما سنفهم استخدام بولس الرسول لفعل التبرير في زمن الماضي في رو ٥: ١ (δικαιωθέντες) (Romans 5:1) والحاضر في رو ٣: ٢٨ (δικαιοῦσθαι) (Romans 3:28) والمستقبل في رو ٢: ١٣ (δικαιωθήσονται) (Romans 2:13). كما نجد جانب عملي واضح هنا يختص بالإنسان في استشهاد بولس للتبرير في زمن المستقبل يضع عبء على الإنسان وهو الشيء الذي يحاول اللاهوت البروتستانتي تجنّبه. وأيضاً في حديثه عن التقديس في رسالته إلى أهل تسالونيكي ١ تس ٤: ٣ (1Thess 4:3) يستخدم فعل التقديس (ἁγιασμὸς) في زمن المضارع مما يشير إلى الاستمرارية والنمو في القداسة. وفي نفس الرسالة في ١ تس ٥: ٢٣ (1Thess 5:23) يقول أن الله سوف يقدّس (ἁγιάσαι) في زمن المضارع بصيغة التمنّي فهو شيء يرغبه ويتمناه بولس لم يكتمل بعد في الإنسان وقد لا يحدث إذا لم يتفاعل الإنسان بإرادته مع الله.
فعلى عكس اللاهوت البروتستانتي، الإنسان ليس دمية هنا في يد الله أو الشيطان بل هو كائن حر، وفاعل، غير مسلوب الإرادة وخلاصه هو عمل سينرجيا (συνεργεια) مشتَرك بينه وبين الله على عكس اللاهوت البروتستانتي الذي يتبنّى المونورجيزم (Monorgism) جاعلاً الله هو القوة الوحيدة الفاعلة في قضية خلاص الإنسان كما أوضحت سابقاً. وهذا بدوره يضع عبء على الإنسان أن يكون فاعلاً مع الله بحفظه وصايا المسيح وشركته في الأسرار ووجوده كيانياً في الكنيسة والذي بدوره يجعل الإنسان يتشكّل على صورة المسيح. فالمسيح واقف على الباب يقرع، ويجب على الإنسان أن يستجيب ويفتح له (Rev 3:20). لذلك بولس نفسه يشهد لإمكانية فقدان خلاصه فهو يقول لأهل كورنثوس «بل أقمع جسدي وأستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضا.» (1Cor 9:27). لذلك، فتعبير مثل «مَن نال الخلاص مرّة، لا يفقد خلاصه أبدًا.» هو تعبير ضد تعاليم بولس وليس في ذهنيته.
نجد أيضاً مفهوم العمل المشترك بوضوح في رسالة كورنثوس الأولى لبولس ١ كو ٣: ٦-١٠ (1Cor 3:6-10) فهو يستخدم تعبير «عاملان مع» (συνεργοί) الله. ونعمة الله ذاتها تسمح للإنسان أن يعمل عمل الله كما عَملت مع بولس ليضع أساس الكرازة في هذا السياق. وفي سياق الخلاص نجد هذا واضح في رسالة فيلبي الإصحاح الثاني حيث يقول: «إذا يا أحبائي، كما أطعتم كل حين، ليس كما في حضوري فقط، بل الآن بالأولى جدا في غيابي، تمموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة.» (Ph 2:12-13)
اللاهوت العملي وسط الكنيسة الأرثوذكسية
ليس من الصعب استنتاج أنه لا يستطيع أحد أن يدّعي أنه مُخلَّص في اللاهوت الأرثوذكسي. لذلك فالأسئلة مثل «متى خلصت؟» أو «متى عرفت الرب؟» أو «هل خلصت؟» هي أسئلة عبثية في إطار اللاهوت الأرثوذكسي وليس لها وجود داخل الكنيسة. وذلك ليس لأن الإنسان لا يثق في عمل الله لخلاصه لكن بالأحرى لأنه لا يثق في نفسه، في إرادته هو ودوره في عملية الخلاص. فهي أسئلة كلها مبنية على جهل وتحريف لمعنى الخلاص، فالإنسان يرجو ويشتهي لكن الجزم بسذاجة ليس موجود عملياً داخل الوعي الأرثوذكسي.
كما أن الخطية ليست مضخّمة هنا كما في اللاهوت البروتستانتي. فتلخيص الحياة المسيحية في إنسان يتحرر من خطيئة ما أو إدمانات ما كقصص نشدو بها على خلاصه هي في الحقيقة مجرّد طفولة روحية ويستطيع الإنسان أن يدرك أن حتى غير المسيحيين المنزعجين من قيود وإدمانات يلجأون لطرق وعلاجات توصلهم لنفس النتيجة في التخلص منها. فحصر المسيحية في ذلك الإطار هو إهانة لعمل المسيح الذي مس طبيعة الإنسان من الداخل. فالتركيز هنا مسلّط على الأشياء التي لها وجود حقيقي داخل الله كالنعمة والخير والرحمة التي لم يعرفها إله لوثر، لأنها بالطبيعة أقوى من الأشياء التي ليس لها أصل داخل الله كالشر والخطية الذين هم من صنع البشر. فلا يوجد نفع حقيقي للإنسان في تركيز عقله على الخطية.
ولأن الخلاص هو عملية ديناميكية، إذاً يوجد نمو مستمر ويوجد جهاد قانوني وحمل للصليب وتخليّ عن الذات واحتمال للمشقّات يومياً فالرسول بولس يُشبِّه الحياة المسيحية بالجندية العسكرية ويستفيض عن هذا في حديثه مع تلميذه تيموثاوس في ٢ تي ٢: ١-١٣ (2Tim 2:1-13). هذه الأمور كلها يندر الحديث عنها على منابر الوعظ البروتستانتي لأنها تعطي إيحاء أن الإنسان يجب أن يفعل شيء في قضية خلاصه وهو شيء محرّم في الروح التي تهيمن على الفكر البروتستانتي.
خاتمة
ملكوت الله ليس شيئاً بعيداً في السماء بل هو هنا وداخل الإنسان (Luke 17:21) والكنيسة تعي هذا بصدق. فالمسيح بتجسّده جعل السماء والأرض شيئاً واحداً كما تصلي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في لحن أسومين (Ⲁ̀ⲥⲱⲙⲉⲛ)، فغير الزمني صار زمنياً وغير المرئي صار مرئياً في شخص المسيح. وهو ارتضى أن يشاركنا بؤسنا ليعطينا مجده وسُكنى دائمة لروحه القدوس فينا. هو أعطانا كل شيء. حتى جسده ودمه لم يبخل بهما علينا.
ففي كل مرة نشترك فيها في سرّ الإفخارستيا تنفتح السماوات على الأرض. وذلك الذي يرهب النورانيون النظر إليه، نراه في الخبز والخمر موضوعاً على المذبح. وهذه الأسرار المخفية في حضن اللاهوت، توزع لنا نحن الترابيون. فلو كان حسد بين الملائكة، لحسد الكاروبيم البشر لأنهم أقرب منهم إلى هذا السرّ. هكذا ترتل الكنيسة السريانية الأرثوذكسية هذه الكلمات لمار يعقوب السروجي أثناء الليتورجيا.
فيجب على القارئ أن يُدرك أن هذه ليست تأملات ولا جماليات لفظية فارغة. هذا حق ووعي حاضر في الكنيسة يجب على القارئ أن يقتنيه لنفسه. فعقل الكنيسة ليس هو العقل الفقير للإنسان الرافض للسرّ بل هو عقل ساجد أمام الإعلان الإلهي الذي ليس فيه ثنائيات ولا ازدواجيات ولا صراعات. فالمسيح هو واحد، إله وإنسان معاً. ومريم هي واحدة، عذراء وأم معاً. والثالوث هو واحد، غير منقسم. والكنيسة هي واحدة، منظورة وغير منظورة مقدسة جامعة رسولية. والمعمودية هي واحدة، من الأرض ومن السماء. هذا هو نمط الإعلان الإلهي الذي نقبله في سجود العقل والقلب.
والمسيح لم يفعل شيئاً في حياته بديلاً عن الإنسان ليقف متفرجاً، بل فعل كل شيء لكي عندما يفعله الإنسان يفعله فيه وبه. فالمسيح مات بالجسد ليس لكي لا يموت الإنسان بالجسد لكن لكي عندما يموت يقوم أيضاً ويغلب الموت في المسيح. فكل ما للمسيح بالطبيعة أعطاه لنا بالنعمة وكل ما لنا بالطبيعة أخذه المسيح بالإخلاء. فنحن الآن أولاد الله (1John 3:2) ونُدعي آلهة (John 10:34) قائمين في مجمع الآلهة قدام العرش السمائي، وصرنا شركاء للثالوث بالنعمة. هكذا أؤمن وهكذا أعترف وهكذا أسلك.
مجداً للثالوث الأقدس
Oberman, Heiko A. Luther: Man Between God and the Devil. Translated by Eileen Walliser-Schwarzbart. New Haven: Yale University Press, 1989, p. 315. ↩︎
Bainton, Roland H. Here I Stand: A Life of Martin Luther. Nashville: Abingdon Press, 1950, p.54. ↩︎
Luther, Martin. The Bondage of the Will (1525). In Luther’s Works, American Edition, Vol. 33: Career of the Reformer III. Edited by Philip S. Watson and Benjamin Drewery. Philadelphia: Fortress Press, 1972, pp. 65-66. ↩︎
يُروى في التراث الشعبي الألماني حكاية طريفة عن قسّ قرية كالنبرغ، الذي كانت زيارة إحدى الدوقات لكنيسته الفقيرة سببًا في مأزق طريف: فقد كانت غرفته باردة، ولم يكن لديه حطبٌ كافٍ لتدفئتها استعدادًا لاستقبالها. فلجأ إلى حيلة غريبة، إذ أخذ التماثيل الخشبية للرسل التي كانت تُزيّن كنيسته، وبدأ يُلقي بها واحدًا تلو الآخر في الموقد ليوقد النار بها. وكان تمثال القديس يعقوب بن زبدي آخر ما تبقّى، فأمسكه القسّ ودفعه إلى النار قائلاً بلهجة ساخرة: «انحنِ يا يعقوب، فلا بدّ أن تدخل الموقد أيضًا؛ ولو كنتَ البابا نفسه أو كلّ الأساقفة، فلا بدّ أن تدفأ الغرفة!» وقد استعار مارتن لوثر هذه الحكاية الشعبية لاحقًا ليُعبّر عن ضيقه من رسالة يعقوب في العهد الجديد، إذ رأى أنّ خصومه من الباباوات الكاثوليك كانوا يتّكئون عليها وحدها لإثبات فكرتهم عن التبرير بالأعمال، متجاهلين سائر الكتاب المقدس. ↩︎
Luther, Martin. Luther’s Works, Vol. 34: Career of the Reformer IV. Edited by Lewis W. Spitz. Philadelphia: Fortress Press, 1960, p. 317. ↩︎
Das Newe Testament Deutzsch. [Septembertestament.] Übersetzt von Martin Luther. Wittenberg, 1522, p.13. ↩︎
«So halten wir es nun, dass der Mensch gerecht werde ohne des Gesetzes Werke, allein durch den Glauben», Septembertestament 1522 ↩︎
البديل هو شخص يحل محل آخر في كل شيء. ↩︎
Luther, Martin. Lectures on Galatians 1535, Chapters 1–4. In Luther’s Works, American Edition, Vol. 26. Edited by Jaroslav Pelikan. St. Louis: Concordia Publishing House, 1963, p. 277. ↩︎
