مقدمة
إذا كنتَ ممن يشعرون بالخجل عند قراءة بعض صلوات الكنيسة الخاصة بالعذراء مريم، أو كنتَ من الجماعات البروتستانتية التي تخلق صراعات زائفة بين المسيح والقديسين، فهذا البحث القصير لك.
لقد تحدثت سابقاً عن مفهوم الخلاص في اللاهوت الأرثوذكسي كعمل مشترك (سينرجيا) بين طرفين: الإنسان والله. وأوضحت أن الخلاص ليس حدث لحظي لكن عملية مستمرة وشركة بين الإنسان والله الثالوث. لكن السؤال الذي أريد تسليط الضوء عليه هنا هو: ما دور العذراء مريم في هذا؟ ولماذا تكرّمها جميع الكنائس التقليدية بهذا المقدار؟
ماذا فعلت العذراء لنا؟
يجب على القارئ أن يدرك أن العذراء لا تمثل نفسها فقط، بل هي حملت إنسانيتنا إلى المسيح وقالت «هوذا أنا أمة الرب» (لو ١: ٣٨). الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تعبر عن هذا في ثيؤطوكية يوم الخميس وتقول:
كل عجينة البشرية أعطتها بالكمال لله الخالق وكلمة الآب.
– ثيؤطوكية الخميس - القطعة السادسة1
ففي اللاهوت الأرثوذكسي لا يوجد إنفراديّة في جسد المسيح وهذا أساس لفهم كل ما يختص بالشفاعة لاحقاً لأن كل عضو يُكرَّم، يُفرِّح باقي الأعضاء معه، وكل عضو يتألم، يتألم باقي الأعضاء معه (١ كو ١٢: ١٢-٣١) 1Cor 12:12-31. والكنيسة الأرمنّية الأرثوذكسية تصف العذراء على أنها فرح لطبيعتنا الحزينة في لحن بديع تشرح فيه سرّ التجسّد فتقول:
يا فرحَ طبيعتنا الحزينة، أيتها العذراء مريم المتهلِّلة؛ حملتِ في ذاتكِ، ببشارةِ السلام، واهبَ ناموسِ السلام. فتشفَّعي لديه دائمًا من أجل نفوسنا.
– لحن «سرُّ لا يُنطق به» (Խորհուրդն անճառ) – قانون بشارة والدة الإله القديسة2
فأساس الخلاص هو أن هذه العجينة البشرية، مُمثّلة في الجسد الذي أخذه المسيح من رحم العذراء، قد تألّهت بالاتحاد الأقنومي في شخص المسيح وأصبحت في شركة جديدة حقيقية مع الثالوث. يعبر البطريرك ساهاك الثالث (٧٠٣م) عن هذه الحقيقة فيقول الآتي:
ثم جاء المسيح، فأبدل خميرةَ الشرّ الشيطانية، واتّحد بطبيعتنا بواسطة العذراء القديسة، وطرد من طبيعتنا خميرةَ الشرّ القديمة التي أخذتها المرأة الأولى بمشورة من الحيّة وأخفتها في قلبها، وبواسطتها أخفتها فينا جميعًا. وإذ أخذ من العذراء القديسة طبيعتنا البشرية الطاهرة جدًا، من غير خميرة الخطية، اتّحد بها، وألّهها بكاملها، جسدًا ونفسًا وعقلًا. ثم اتّحد في جسده بجميع أبناء آدم، وحوّلهم جميعًا من الخطيئة إلى البراءة، ومن الشرّ إلى الصلاح، ومن الموت والفساد إلى الحياة، وألبسنا من جديد الصورةَ الإلهية […]
– البطريرك ساهاك الثالث (٧٠٣م)3
ففي ضوء تدبير الخلاص، العذراء قدمتنا لله وقدمت الله لنا في طاعة وعمل مشترك أخذت فيه الله إلى أحضانها وأدخلتنا به مجدداً إلى أحضان الثالوث. وإنطلاقاً من حرية الإرادة التي أعطاها الله للإنسان، لم تكن العذراء مجبرة على قبول بشارة الملاك على أي نحو. وهذا هو لبّ وسرّ تكريمها كعضو في جسد المسيح أظهر لنا كمال الشركة بين الإرادة الإنسانية والنعمة الإلهية. لأن هذه الإرادة الخاطئة التي لحواء أصلحتها العذراء في ذاتها لحساب طبيعتنا. وقد عبّر يوستينوس الفيلسوف والشهيد عن هذا في حواره مع تريفون فقال:
كما أننا نؤمن أنه مولود من عذراء لكي يزيل العصيان الذي تسببت فيه الحية بالطريقة نفسها التي نشأ بها هذا العصيان. لأن حواء وهي عذراء عفيفة حبلت كلمة الحية وولدت العصيان والموت، ولكن العذراء مريم الممتلئة إيمانًا وفرحًا عندما أعلن لها الملاك البشارة بأن روح الرب يحل عليها وقوة العلي تظللها والمولود منها يدعى ابن الله قالت: «ليكن لي كقولك» (لو ١: ٣٥) وبالفعل ولدت الذي أشار إليه الكتاب المقدس كثيرًا والذي به يسحق الله الحية، ويسحق هؤلاء الملائكة والناس الذين صاروا مثل الحية، ويحرر من الموت هؤلاء الذين يتوبون عن خطاياهم ويؤمنون به.
– يوستينوس الفيلسوف والشهيد، الحوار مع تريفون، الفصل ١٠٠ 4
كما يتحدث القديس إيرينيئوس في كتابة «ضد الهرطقات» عن خطة الخلاص وعن العلاقة بين حواء والعذراء فيقول:
٤. وبحسب هذه الخطة، كانت مريم العذراء مطيعة، فقالت: «هوذا أنا أمة الرب، ليكن لي كقولك» (لو١: ٣٨). اما حواء فكانت غير مطيعة، فهي لم تطع حينما كانت لا تزال عذراء[…]
وإذ صارت (حواء) غير مطيعة، كانت هي سبب الموت، لنفسها وللجنس البشري كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبة لرجل، ومع ذلك كانت عذراء، وأذعنت بطاعة صارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشري[…]
وهكذا أيضًا، فإن عقدة عصيان حواء قد حُلت بطاعة مريم. لأنه ما ربطته العذراء حواء بعدم الإيمان، هذا حلّته العذراء مريم بالإيمان.
– القديس إيرينيئوس، ضد الهرطقات، الكتاب الثالث، الفصل ٢٢ 5
إذاً يجب على القارئ أن يدرك أن العذراء كانت موضع عبور أنطولوجي بين الإنسانية وسرّ الثالوث؛ إذ إن طاعتها لبشارة الملاك لم تكن فعل قبول فحسب، بل كانت اللحظة التي انفتح فيها الوجود الإنساني على المبادرة الإلهية.
كيف تخلّصنا العذراء؟
تقريباً لم أجد كنيسة من الكنائس التقليدية لا تضع العذراء جنبًا إلى جنب مع الخلاص بشكل ما في صلواتها. وهنا تحديداً ينزعج هؤلاء الذين ليس لهم الذهنية والرؤية الصحيحة للكنيسة على أنها جسد المسيح فيخلقون صراعات مستمرة بين الرأس وأعضاء الجسد في تنافس ليس موجود من الأساس في الوعي الأرثوذكسي السليم. فالخلاص كما أوضحت سابقاً هو عملية مستمرة وشركة بين العضو والرأس وبين الأعضاء بعضها مع بعض في سينرجيا تحقق غاية الوجود لكل الأعضاء. والعذراء كعضو في جسد المسيح كانت النموذج المثالي الذي يجب لنا جميعاً أن نتطلع إليه. وإنطلاقاً من هنا، فنحن نطلب منها كأعضاء ونقول «خلصينا» بصلواتك إلى رأس الجسد، الذي هو إبنك بالحقيقة.
ماذا يعني الفعل يُخلّص (σῴζω)؟
وأما بخصوص السائل الذي يظن أنه لا يصلح أن نقول للعذراء «خلصينا»، يجب عليه بالأحرى أن يسأل أيضاً كيف يقول يعقوب الرسول أن إنساناً يستطيع أن يُخلّص (σώσει) إنساناً آخر عندما يردّه عن الخطأ (يع ٥: ٢٠) James 5:20؟ وكيف تُخلّص (σώσει) صلاة الإيمان المريض (يع ٥: ١٥) (James 5:15)؟. بل كيف يقول بولس أنه يُخلّص (σώσω) قوماً في ١ كو ٩: ٢٢ (1Cor 9:22) وأيضاً في رو ١١: ١٤ (Romans 11:14)؟ أم كيف يُخلّص تيموثاوس نفسه بل والآخرين بتعليمه كما في ١ تي ٤: ١٦ (1Ti 4:16)؟ وفي سياق الزواج كيف يُخلّص (σώσεις) أحد الآخر كما في ١ كو ٧: ١٦ (1Cor 7:16)؟
كل هذه الاستخدامات دلالة على أن الفعل مرن في الاستخدام وليس محصور من الأساس في إطار استخدامه مع اللّه فقط، لكن الذهنية التي تحاول فصل الشركة بين المسيح وأعضاء جسده تُسقط منطقها على الألفاظ والمعاني فتقرأ ما تريده وليس ما يقوله النص. ويتحدث جيمس روس (J. T. Ross) في رسالة الدكتوراه الخاصة به عن كل معاني كلمات وأفعال الخلاص في العهد الجديد ويوضّح استخدام الفعل سوزو (σῴζω) بمعنى يُخلِّص، ينقذ أو يساعد فيقول الآتي:
والآن، ليس من المرجّح على الإطلاق أن يكون فعل σῴζω (سوزو) في العهد الجديد مقيَّدًا بهذا الشكل قط، فكان يمكن أن يُستخدم دلالةً على اسم الأداة (nomen instrumenti: أي الصيغة الاسمية التي تدل على «الوسيلة» التي يتحقق بها الخلاص) بقدر ما يُستخدم دلالةً على اسم الفاعل (nomen agentis: أي الصيغة الاسمية التي تدل على «الفاعل» أو «المُخلِّص»)، وذلك حين يكون أيٌّ من هذين الفاعلَين هو فاعل الفعل نحويًا. وبذلك، فإن الفعل هذا كان يمكن أن يكون فاعله (subject) طرفًا فاعلًا (actor) يقف في أي علاقة كانت تجاه العملية التي يتحقق بها الخلاص (salvation).
– جيمس روس، مفهوم «السوتيريا» في العهد الجديد6
ومن منطلق الوعي بأننا أعضاءٌ بعضنا لبعض رو ١٢: ٥ (Romans 12:5)، فإننا في كل مرة نقول فيها للعذراء «خلّصينا»، فإن ما تفعله هي في الحقيقة هو أنها تصلي من أجلنا، كما يصلي بعضنا من أجل بعض. وهذه هي صرخة العضو المتألم في الجسد طالبًا الشفاء، وما يفعله باقي الأعضاء هو أن يشاركوا ذلك العضو ألمه، ويصرخوا إلى رأس الجسد من أجله. والرأس الذي يقود الجسد يرسل الشفاء من خلال الأعضاء الآخرين، وليس بشكل انفرادي، فأكبر تشويه في ذهن البعض هو تصوُّر أن الله يتعامل بانفرادية مع الإنسان، دون وعي بأن كل واحد منا هو للآخر ١ كو ١٠: ٢٤ (1Cor 10:24).
لماذا العذراء دالّتنا؟
من هذا المنطلق، فإن كل من يسير في طريق الاتحاد أو الخلاص يصبح دالّةً للآخرين في الجسد وهذه الدالّة هي تحقيق لكوننا أعضاء بعضنا لبعض في المقام الأول. والعذراء هي العضو الذي بلغ غايته في الاتحاد بالله لذلك نقول عنها أنها أكرم من الشاروبيم وأرفع مجداً من السيرافيم. ذلك ليس لسبب ميتافيزيقي فهي من ذات طبيعتنا البشرية الساقطة لكن لكونها صورة حيّة لما يمكن أن يصل الإنسان إليه بالنعمة وهو الشيء الذي لم تحققه حتي أرفع أجناد السمائيين. ولذلك كل من يحمل الله في حياته مثلها، ويصير حضورُه للآخرين طريقًا إلى المسيح يصبح دالّةً وعوناً في جسد المسيح، أي الكنيسة.
ماذا تعني لفظة الدالّة (παρρησία)؟
لفظة الدالّة (παρρησία) تعني الثقة والجرائة في الطلب بحرية أمام اللّه. نجد هذا المفهوم في ١ يو ٣: ٢١ (1John 3:21) و ١ يو ٥: ١٤-١٥ (1John 5:14-15). هذه الثقة مصدرها ليس مجرد التصديق الذهني لكينونة الإنسان في المسيح بل في الواقع الاختباري لهذا الشخص وفي حقيقة شركة ذلك الإنسان مع الله. يعكس يوحنا الرسول هذا الواقع في ١ يو ٣: ٢٤ (1John 3:24) حيث يربط حفظ الوصايا بالثبات في المسيح. فهذه الثقة هي ثمرة للاتحاد وتختلف بدرجات بين عضو عن آخر في الجسد الواحد. هذه الحقيقة تخلق نوع من الاحتياج بين جميع أعضاء الجسد لبعضهم البعض. ويتناول القديس يوحنا ذهبي الفم هذا الأمر في سياق حديثه عن الصلاة من أجل الراقدين، عند تفسيره لكلمات الرسول بولس بشأن قيامة الأموات في ١ كو ١٥: ١٦ (1Cor 15:16) فيقول:
فلنُعِنهم إذن، ولنُقِم تذكارًا من أجلهم. فإنه إن كانت ذبيحةُ أبيهم قد طهَّرت أبناء أيوب، فلماذا تشكّ في أنه حين نقدّم نحن أيضًا من أجل الراقدين، تحصل لهم تعزيةٌ ما؟ فإن الله قد اعتاد أن يمنح لأناسٍ من أجل أناسٍ آخرين. وهذا ما أظهره بولس أيضًا إذ يقول: «لكي يُشكَرَ من أجلنا، بسبب عطيةٍ ممنوحةٍ لنا بواسطة كثيرين، في وجوهٍ كثيرة، من جهتكم» (٢ كورنثوس ١: ١١).
فلا نَفتر إذن عن إعانة الراقدين، وعن تقديم القرابين من أجلهم، وعن طلب إقامة الصلوات من أجلهم؛ لأن ما يُطهِّر المسكونةَ كلَّها موضوعٌ أمامنا. ولهذا فإننا بدالّةٍ نتضرع من أجل المسكونة كلها، ونذكرهم مع الشهداء والمعترفين والكهنة. فإننا جميعًا جسدٌ واحد، وإن كانت بعضُ الأعضاء أكثرَ مجدًا من غيرها؛ ويمكننا أن نجمع لهم الصفحَ من كل ناحية: من صلواتنا، ومن تقدماتنا عنهم، ومن الذين يُذكَرون معهم.
فلماذا إذن تتألّم؟ ولماذا تنوح، بينما يمكنك أن تجمع كل هذا الصفح للراقد؟
– القديس يوحنا ذهبي الفم، تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس7
ولذلك، حين نتحدث عن دالّة العذراء، لا نتحدث عن وساطة كمن هو خارج الجسد ولا امتياز منفصل عن حياة الكنيسة، بل عن ثمرة لتلك الشركة التي للعذراء في المسيح. إذاً الدالّة، في معناها الصحيح، هي أن يقف الإنسان بثقة أمام الله وبقلب حرّ لأنه لم يعد بعد آخر، بل صار عضو في المسيح؛ وهذه الحرية تتحول إلى محبة تحمل الآخرين للدخول في شركة أيضاً. وفي هذا المعنى يمكننا أن نفهم حضور العذراء في صلوات الكنيسة؛ فهي صورة للإنسان الذي لم يعد يحتاج لأقمصة من جلد للوقوف أمام الله، بل صارت حياته كلها متّصلة بحياة الآخرين، حتى إن قربه من المسيح يصير، بالنسبة إلى الجسد كله، موضعَ رجاء وطلب وشركة.
مناجاة أم الله - للقديس غريغوريوس الناريكي
– ١ –
الآنَ،
أمام ما يدعوني للقنوط،
وفي انسحاق قلب شديد،
أمام رهبة غضب الله تعالى،
وأنا غريقٌ في بحر من الكآبة،
ألتجئُ إليكِ يا أُمَّ الله القدّيسة.
يا ملاكًا تحدّر من صفوف البشرية،
وكاروبيًّا لَبِسَ الجسد،
يا سلطانةَ السماء،
الصافية كالهواء،
النقيّة كالنور،
والبهيّة كنجمة الصبح في عزّ بهائها.
يا مَن فاقت نقاوتُها نقاوةَ قدس الأقداس المنيع،
يا مقرَّ الموعد البهيج،
يا جنّةَ عدنٍ الحيّة
وشجرةَ الحياة الخالدة،
التي من كلّ صوب يحرسها سيفٌ ساطعُ الضياء.
أنتِ يا مَن قوّاها الأبُ العليّ وحماها،
يا مَن هيّأها الروحُ وكرّسها وحلَّ عليها،
يا مَن جمّلها الابنُ وسكنَ في حَشاها،
وجعلها له قبّةً؛
فابنُ الآب الوحيد، أصبح ابنَك البكر،
ابنًا لكِ بالولادة، وربَّك بالخلق.
فأنتِ بنقاوتِك الكاملة، عطوفةٌ،
وبقداستِك الفائقة، شفيعةٌ ومحامية.
فاقبلي منّي هذه الصلاة، وقدّميها لله
مع كلّ الصلوات التي وضعتِها لمجدك.
وضُمّي تنهّداتِ خاطئٍ مريرة
إلى طلباتِك المستجابة وإلى عطر البخورات،
يا شجرةَ الحياة التي أعطتِ الثمرةَ المباركة.
حتى إذا ساعدتِني، وأنعمتِ عليّ،
أجد في أمومتك ملجأً ونورًا
وأحيا للمسيح ابنِك وربّك.– ٢ –
أعضديني بأجنحة صلواتك،
أنتِ يا مَن ندعوها «أُمَّ الأحياء»،
حتى، عند مغادرتي وادي الشقاء،
أستطيع السيرَ دون عناء إلى دار الحياة المعدّة لنا،
وحتى يكون ختامُ حياتي محرَّرًا من ثقل الآثام.
حوّلي، إلى عرس أفراح يومَ ضيقي، يا شافية آلام حوّاء.
كوني لي محامية، توسّلي وتضرّعي:
لأنّي أؤمن بطهارتِك العجيبة.
وأؤمنُ بقبول طلبك.
بدموعك ساعديني، لأنّي في خطر، يا مباركةً بين النساء.
اركعي على رُكبتيك لتنالي لِيَ المصالحة، أنتِ يا أُمَّ الله.
اعتني بي، أنا الشقيّ، يا قبّةَ العليّ.
مدّي لي يدَك عند سقوطي، يا هيكلاً سماويًّا.
مجّدي ابنَك بكِ:
ليتنازل ويصنعَ بي، وهو الإله،
أعجوبةَ الصفح والرحمة، يا أَمةَ الله، ويا أُمَّ الله.
فليتعظّم شرفُك على يدي،
وليظهر خلاصي على يدِك.– ٣ –
وسيحدث هكذا
إذا وُفّقتِ لإيجادي، يا أُمَّ الله،
إذا تحنّنتِ عليّ، أيّتها القدّيسة.
إذا، عند هلاكي، شملتِني بردائك، أيّها البريئة من كلّ عيب.
إذا، في رُعبي، قبلتِني، أيّتها السعيدة،
إذا، في عاري أدنيتِني منك، أيّتها الجميلة.
إذا، عند قطع رجائي، تشفّعتِ بي، أيّتها العذراء القدّيسة.
إذا أرجعتِني من منفاي إلى البيت العائليّ، أيّتها المعظّمة،
إذا نحوي أظهرتِ عطفَك، يا محطّمة قيود اللعنة.
إذا، في اضطرابي، هدّأتِ رُوعي، أيّتها الراحة.
إذا هيجانَ عواطفي حوّلتِه إلى سلام، يا فاعلةَ السلام.
إذا، في ضلالي، هديتِني إلى الرجوع، أيّتها المكرَّمة.
إذا دخلتِ المعركة دفاعًا عنّي، يا قاهرةَ الموت.
إذا مرارةَ حياتي حوّلتِها إلى عذوبة، أيّتها العذوبة.
إذا لاشيتِ المسافة بيني وبين الله، أيّتها المصالِحَة.
إذا نزعتِ أدناسي، يا ساحقةَ الفساد بقدميك.
إذا من حُكم الموت نجّيتِني، أيّها النور الحيّ.
إذا صوتَ بكائي أوقفتِه فورًا، أيّها الفرح.
إذا، في انكساري، شدّدتِ عزمي، يا دواءَ الحياة.
إذا، في انهياري، رمّقتِني بنظرِك، يا ممتلئةً من الروح.
إذا، للقائي، أسرعتِ بحنان، يا ميراثًا أُعطي لنا.
أنتِ يا مَن لا تُباركه إلّا الشفاهُ الطاهرة، والأفواهُ السعيدة…
أنتِ يا أُمَّ العليّ، أُمَّ الربّ يسوع، خالق السماواتِ والأرض وما فيها،
الذي ولدتِه بنوعٍ لا يوصف،
بكامل ناسوته ولاهوته،
الممجَّد مع الآب والروح القدس
بجوهره وبطبيعتنا
التي اتّحد بها بنوعٍ غير مدرَك،
الذي هو كلُّ شيءٍ، وفي كلِّ شيء،
أحدُ الثالوث،
له التمجيد إلى دهر الداهرين. آمين.– القديس غريغوريوس الناريكي، الصلاة الثمانون: مناجاة أم الله8
الأبصلمودية السنوية (دير السيدة العذراء، البرموس)، الطبعة الثالثة، سبتمبر ٢٠٠٧م، ص. ٣٥٤ ↩︎
Armenian Hymnal (Sharagans), “TONE 2 Canon of the Annunciation to the Holy Mother of God (Խորհուրդն անճառ),” trans. V. Rev. Fr. Daniel Findikyan, St. Nersess Armenian Seminary, based on the Jerusalem 1914 edition of the Tsaynkagh Sharagan. Available at: https://stnersess.edu/resources/armenian-hymnal/ . Listen to the Hymn Here: Խորհուրդն անճառ ↩︎
Michael Daniel Findikyan, “Liturgical Usages and Controversy in History: How Much Diversity Can Unity Tolerate?,” St. Nersess Theological Review 1, no. 2 (July 1996), p. 199 ↩︎
القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى، ترجمة آمال فؤاد، مراجعة مجموعة من المراجعين (القاهرة: دار بنارية، الطبعة الأولى، مايو ٢٠١٢)، ص. ٢٦٧ ↩︎
القديس إيرينيوس، ضد الهرطقات، المجلد الثاني (الكتب الثالث والرابع والخامس)، ترجمة نصحي عبد الشهيد (القاهرة: مؤسسة القديس أنطونيوس، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، مطبعة النوبار - العبور، ص. ١١٠-١١١ ↩︎
James Thomas Ross, “The Conception of Sōtēria in the New Testament” (PhD diss., University of Chicago, 1947), p.3 ↩︎
John Chrysostom, Homiliae in Epistolam ad Corinthios Priorem, ed. Frederick Field, Interpretatio Omnium Epistolarum Paulinarum per Homilias Facta, vol. 2 (Oxford, 1847), pp. 525-526 ↩︎
غريغوريوس الناريكي (القرن العاشر)، كتاب الصلوات (من التراث الروحاني الأرمني)، نقله إلى العربية الأب جورج عقل اليسوعي، الطبعة الثالثة (بيروت: دار المشرق، ١٩٩٨) ↩︎
